رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
124
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
العامّة - كما لا يخفى على المتتبّع - ولم يجد الفاضل هذا الخبر في كتب الأصحاب مع كمال اهتمامه بفحص مصنّفات الشيعة في الأخبار ، حَصَلَ الظنّ المُتاخَم للعلم بأنّه من أخبار العامّة ، وغرضه أنّ حمل العقل في الأخبار المتضمّنة لذكر الإقبال والإدبار على ما يقوله الفلاسفة من الجوهر المجرّد الغير المتعلّق بالمادّة لا ذاتاً ولا فعلًا ، الحامل له على هذا الحمل إنّما هو الخبران ؛ وهو كما ترى . ولقد أجاد ما أفاد . ويعضده ما في رواية سماعة من قوله عليه السلام : « عن يمين العرش » فإنّ الظاهر أنّ الأوّليّة إضافيّة لا حقيقيّة ، والتجوّز لا يصار إليه من غير ضرورة ، وقولِه سبحانه : « ولا أكملتك إلّا فيمن احبّ » وخلق الجهل بإزاء العقل أيضاً من الموانع عن ذلك الحمل ، وارتكاب المعنى المجازي للإقبال والإدبار مشترك اللزوم . وبالجملة : لا يشكّ من له نصيبٌ من العقل أنّ الغرض المسوق له الكلام في هذه الأحاديث التنويهُ باسم هذا العقل الذي به يسمّى العقلاء عقلاءَ ، والحثُّ والترغيب على اتّباعه ، والإعانةُ على تسخير الجهل وجنوده - أعني القوى الشهوانيّة والغضبيّة - والتحذيرُ عن خلاف ذلك ، والوعيدُ بالانتكاس « 1 » على تقدير الانعكاس ، وإذ لا يتوقّف فهم هذا الغرض والانتفاع بالكلام على تحقيق معاني أجزائه ، فمسلك الرشاد المأمونُ من المخاطرات أن يتمتّع العاقل المحتاط من خوان أخبار المعصومين عليهم السلام بنعمةٍ رُزق بها ، وهي ما قرب إليه بحيث تناله يد فهمه ، ولا يحاول بالإقدام والاقتحام ما ليس له ، وناهيك من مؤدِّبٍ لك قول اللَّه تبارك وتعالى : « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ » « 2 » . روى السيّد الرضيّ رضي الله عنه في نهج البلاغة ، والصدوق - طاب ثراه - في كتاب التوحيد
--> ( 1 ) . انْتَكَسَ ، أي انقلب على رأسه . لسان العرب ، ج 6 ، ص 242 ( نكس ) . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 7 .